الشنقيطي
32
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
5 ] ، فذكر الاستواء باسمه الرحمن ليعم جميع خلقه برحمته . قاله ابن كثير ومثله قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ [ الملك : 19 ] أي : ومن رحمانيته : لطفه بالطير ، وإمساكه إياها صافات وقابضات في جو السماء . ومن أظهر الأدلة في ذلك قوله تعالى الرَّحْمنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ ( 2 ) [ الرحمن : 1 - 2 ] إلى قوله : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [ الرحمن : 13 ] وقال : وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً [ الأحزاب : 43 ] فخصهم باسمه الرحيم . فإن قيل : كيف يمكن الجمع بين ما قررتم ، وبين ما جاء في الدعاء المأثور من قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « رحمان الدّنيا والآخرة ورحيمهما » . فالظاهر في الجواب - واللّه أعلم - أن الرحيم خاص بالمؤمنين كما ذكرنا ، لكنه لا يختص بهم في الآخرة ، بل يشمل رحمتهم في الدنيا أيضا ، فيكون معنى رحيمهما رحمته بالمؤمنين فيهما . والدليل على أنه رحيم بالمؤمنين في الدنيا أيضا أن ذلك هو ظاهر قوله تعالى هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ( 43 ) [ الأحزاب : 43 ] ، لأن صلاته عليهم وصلاة ملائكته وإخراجه إياهم من الظلمات إلى النور رحمة بهم في الدنيا ، وإن كانت سبب الرحمة في الآخرة أيضا . وكذلك قوله تعالى : لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 117 ) [ التوبة : 117 ] ، فإنه جاء فيه بالباء المتعلقة بالرحيم الجارة للضمير الواقع على النبي صلّى اللّه عليه وسلم والمهاجرين والأنصار ، وتوبته عليهم رحمة في الدنيا وإن كانت سبب رحمة الآخرة أيضا . والعلم عند اللّه تعالى . وقوله تعالى : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( 4 ) [ 4 ] . لم يبينه هنا - وبينه في قوله : وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ( 17 ) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ( 18 ) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً [ الانفطار : 17 - 19 ] الآية . والمراد بالدين في الآية الجزاء . ومنه قوله تعالى : يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ أي جزاء أعمالهم بالعدل . قوله تعالى : إِيَّاكَ نَعْبُدُ [ 5 ] . أشار في هذه الآية الكريمة إلى تحقيق معنى لا إله إلا اللّه : لأن معناها مركب من أمرين : نفي وإثبات . فالنفي : خلع جميع المعبودات غير اللّه تعالى في جميع أنواع العبادات ، والإثبات : إفراد رب السماوات والأرض وحده بجميع أنواع العبادات على الوجه المشروع . وقد أشار إلى النفي من لا إله إلا اللّه بتقديم المعمول الذي هو إِيَّاكَ . وقد تقرر